سورة الليل رقمها (92)، وقد لاحظ باحثون أن كلمة (الليل) بكافة تصاريفها (أي الأصل الثلاثي ليل على مستوى الجذر) قد وردت في القرآن كله (92) مرة، وهي ملاحظة إحصائية دقيقة بعد التأكد منها وهي تستحق الإعجاب. وهذا دفعني إلى التأمل العميق الذي يربط بين نسيجين من “الآيات” : آيات الله المقروءة في القرآن الكريم، وآياته المنظورة في الكون. هذه المقاربة تحمل في طياتها جمالاً خاصاً، دعونا نفكك عناصرها:
أولاً: الليل ليس ظلام وزينة للناظرين فقط بل فيها آيات للعالمين
إن الليل لا يكشف لنا فقط عن سماء ذات خلفية مظلمة، نرى فيها بأبصارنا روعة النجوم المتلألئة وجمال القمر المنير، بل يكشف لنا سجلاً طيفياً نقرأ فيه بأبصارنا وبصائرنا مستعينين بالأدوات العلمية الحديثة تاريخ تصنيع العناصر في أفران النجوم. وهذا التاريخ يبلغ ذروة استقراره الطبيعي عند اليورانيوم الذي رقمه الذري (92) فهو العنصر رقم (92) من عناصر الجدول الدوري.
نعم، هناك 118 عنصراً في الجدول الدوري، لكن اليورانيوم (92) هو أثقل عنصر طبيعي وفير وذو استقرار نووي كافٍ ليكون مكوناً دائماً للمادة الكونية التي نرصدها. أما العناصر ذات العدد الذري 93 فما فوق، فإنها وإن وُجد بعضها بكميات ضئيلة جداً في الطبيعة نتيجة تحولات إشعاعية عرضية، إلا أنها لا تبقى مكوناً مستقراً وراسخاً في المادة الكونية التي يكشفها الليل لأبصارنا وبصائرنا. ولهذا فإن السماء الليلية بكل ما تحويها من نجوم ومجرات وسدم تقف عند حد تلك العناصر الـ(92) الأولى في مكوناتها المستقرة القابلة للرصد.
ثانياً: ذروة المادة وذروة السعي
ومن العجيب أن السورة التي يقف ترتيبها عند الحد (92) تتحدث عن الأتقى والأشقى، أي ذروة ما قد يصله السعي البشري على الصعيد الحسن والصعيد القبيح، وذروة المادة المستقرة التي تُبنى منها السماء الليلية تقف هي الأخرى عند الحد (92).
ثالثاً: وحدة المدد والطاقة الهائلة واختلاف المآل بالتوجيه والضبط
إن السورة تتحدث عن شتات سعي الناس، فمحور السورة وعمودها هو جواب القسم وهو قوله تعالى :
{ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ } [92 الليل: 4].
والسعي يحتاج إلى طاقة، وقد مد الله أهل السعادة وأهل الشقاء بهذه الطاقة النفسية الهائلة ، كما قال تعالى :
{ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْءًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَٰرَ وَالْأَفْءِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [16 النحل: 78].
{ وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَٰرَ وَالْأَفْءِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ } [23 المؤمنون: 78].
ومَدَّ الله الفريقين بالرزق أيضاً ، كما قال تعالى :
{ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَٰرَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ } [10 يونس: 31].وما حَظَر ربنا عن الفريقين عطاءه ، كما قال تعالى :
{ مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَىٰهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْءَاخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا (19) كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلْءَاخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَٰتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21) } [17 الإسراء:18-21].والإنسان هو الذي يختار كيفية استثمار هذا المدد المعطى له وهذه الطاقة الكامنة فيه بحيث يمكنه أن يفعِّله في الخير حتى يصل إلى الذروة فيه (الأتقى)، ويمكن أن يفعِّله في الشر حتى يصل إلى الذروة فيه (الأشقى).
واليورانيوم هو في ذاته عنصر مزدوج الوجه: فهو مصدر للطاقة الهائلة النافعة (إذا استُخدم في المفاعلات السلمية)، ومصدر للدمار الشامل (إذا استُخدم في القنابل الذرية). ومنشأ الازدواجية هو في التوجيه والضبط، وكذلك الأتقى والأشقى لا يفترقان في أصل الطاقة والمدد، بل في وجهة السعي ومقدار الضبط.
وللكلام بقية بإذن الله تعالى … (الجزء الثاني)
ملاحظة: من أراد التعليق على ما سبق بتصحيح أو إثراء أو نقاش فيستطيع ترك تعليق عبر النموذج تحت أو يمكن التواصل معي مشكوراً .
مع تمنياتي بالشفاء النافع ،
جَمِيل عَوَّاد السُّلَمِي
مؤسس الطب المدمج الرفيق
مواضيع ذات صلة:
أسرار أرقام السور: (17) وسورة الإسراء (الجزء الأول)
أسرار أرقام السور: (17) وسورة الإسراء (الجزء الثاني)
أسرار أرقام السور: (17) وسورة الإسراء (الجزء الثالث)
أسرار أرقام السور: (27) وسورة النمل (الجزء الأول)
أسرار أرقام السور: (27) وسورة النمل (الجزء الثاني)
أسرار أرقام السور: (27) وسورة النمل (الجزء الثالث)
أسرار أرقام السور: (92) وسورة الليل (الجزء الأول)